أحمد مصطفى المراغي
46
تفسير المراغي
اللّه حديثا ، وذكر أنه لا ينجو في ذلك اليوم إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله - وصف في هذه الآية الوقوف بين يديه في مقام الأنس ، وحضرة القدس ، المنجى من هول الوقوف في ذلك اليوم ، وطلب فيه استكمال القوى العقلية وتوجيهها إلى جانب العلى الأعلى بألا تكون مشغولة بذكرى غيره ، طاهرة من الأنجاس والأخباث ، لتكون على أتم العدّة للوقوف في ذلك الموقف الرهيب ، مستشعرة تلك العظمة والجلال والكبرياء . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) أي لا تصلّوا حال السكر حتى تعلموا قبل الشروع فيها ما ستقرءونه وما ستعملونه ، ذاك أن حال السكر لا يتأتى معها الخشوع والخضوع والحضور مع اللّه بمناجاته بكتابه وذكره ودعائه . وهذا الخطاب موجه إلى المسلمين قبل السكر بأن يجتنبوه إذا ظنوا أنهم سيصلّون ، ليحتاطوا فيجتنبوه في أكثر الأوقات ، وقد كان هذا تمهيدا لتحريم السكر تحريما باتا لا هوادة فيه ، إذ من يتقى أن يجئ عليه وقت الصلاة وهو سكران يترك الشرب عامة النهار وأول الليل لتفرّق الصلوات الخمس في هذه المدة . فلم يبق للسكر إلا وقت النوم من بعد العشاء إلى السحر فيقلّ الشراب لمزاحمة النوم له ، وأول النهار من صلاة الفجر إلى وقت الظهيرة وقت الكسب والعمل لأكثر الناس ، ويقل أن يسكر فيه إلا أصحاب البطالة والكسل . وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال السكر وصاروا يعلمون ما يقولون . روى أبو داود والترمذي عن علي كرم اللّه وجهه قال « صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدّمونى فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون ، فنزلت الآية .